مخافة الله ينبوع حياة
مخافة الله ينبوع حياة

مخافة الله ينبوع حياة

9 مبادئ إنسانية

مخافة الله ينبوع حياة

المتعة والألم

سقطت شجرة الدردار البيضاء أمتد ساقها المتين وفروعها القوية فافترشت رقعة واسعة من الأرض انحنت الرأس الشامخة التي كانت تداعب نسمات الهواء الصافية حتى لا مست التراب والطين

ومن المحزن حقا أن تشهد سقوط شجرة دردار بيضاء ظليلة فسقوطها يقع من النفس موقع الانهيار المفاجئ لأحد المباني الجميلة القوية ولكنك قد تتألم أكثر حين تعلم أن الشجرة العظيمة لم تمت موتا طبيعيا بل انتحرت

ففي إحدى المدن الأمريكية شاهد الناس سقوط الشجرة دون سبب معروف فلما تفحص العلماء جذورها أدركوا السبب فلهذا النوع من الأشجار جذور قوية تمتد إلى باطن الأرض لتمتص الغذاء وتبعث في الساق والأوراق برحيق الحياة لكن جذور تلك الشجرة البائسة اتخذت لنفسها مسارا غريبا ارتدت الجذور لتلتف حول الجزء المطمور من الساق تحت سطح التربة وطوقت الجذور الساق أحكمت حلقاتها حوله حتى اختنق فتوقفت إمدادات الغذاء وماتت الشجرة بأسفكسيا الاختناق كما يقولون

والذي يدعو للدهشة هنا أن الجذور التي زود الله بها هذه الشجرة العظيمة لتغذيتها وتنميها وتثميرها كانت هي سبب موتها وهلاكها لماذا؟ لأنها التفت حول نفسها عشقت الشجرة ذاتها حتى الموت

وجدير بالتأمل أن هذا الذي حدث مرة أو أكثر مع شجرة الدردار البيضاء أو غيرها يحدث كثيرا في حياتنا نحن البشر فقد زودنا الله بالغرائز والميول الطبيعية التي وضعها فينا لتدعمنا وتقوينا لكنها كثيرا ما تخرج عن خطها المرسوم فتصرعنا

إن ميولنا الطبيعية حين تتجه إلى غير موضعها فإنها تتلف الحياة فينا

وحين تصبح غرائزنا محور حياتنا التي تلتف حولنا أو ندور نحن حولها فإنها تزهق روح الحياة فينا وتتركنا حطاما هيكلا مديدا بلا حياة سرعات ما ينهار

والأمثلة على ذالك كثيرة

فالطعام نعمة جعله الله لقوتنا ولنستمتع بأصنافه وأنواعه لكن كثيرا ما يصبح هذا الطعام نفسه رسول المرض والموت للنهمين الشرهين الذي يجعلونه محور حياتهم

والحياة الجنسية خير ونعمة وبركة لكن الانحراف بها إلى غير مسارها الطبيعي يجعلها تدور حولنا وندور حولها حتى نسقط فهي جذور ملتوية تسير في غير اتجاهها فلا تروى ولا تشبع بل تقتل صاحبها ظمأ وجوعا

وحب الاقتناء ميل طبيعي يحفز الإنسان على الاجتهاد لكنه حين يتجه في مسار ذاتي أناني فإنه يحرم صاحبه لذة العيش ومتعة الحياة ونحن نرى كيف يموت البخلاء والجشعون جوعا وحرمانا فمهما ملكت أيديهم فإن أموالهم تتحول إلى جذور قوية ملتوية تخنق فيهم الحياة وتحرمهم المتعة الطبيعية بنعم الله

وطبيعة الإنسان تدفعه إلى الحصول على الحد الأقصى من اللذة وهو في سبيل ذالك قد يسرف في طلبها ويسلك إليها كل المسالك الوعرة لكن إرادته العاقلة التي هذبتها تجارب الحياة تعوده النظر في العواقب فيعرض مرغما عن اللذات المباشرة ويكابد الألم والحرمان في سبيل الأفضل وهذه قصة المتعة والألم

المتعة والألم

يربط الفلاسفة دائما بين المتعة والألم فيرى البعض أن الألم ينتج عن عدم تحقيق اللذة أو إدراكها واللذة وسيلة للخلاص من الألم أي أن اللذة هي الخروج من الألم والألم هو الخروج من اللذة

ويرى آخرون أن المتعة اللذة كيفية نفسانية أولية مثلها مثل الألم لا تعريف لهما بل يستدل عليهما خواصهما وشروطهما وأسبابهما وهما على أي حال تنشأن عن الفعل الموافق أو المخالف لطبيعة الكائن الحي إنسانا كان أم حيوانا

وقد تكون المتعة نفسانية تتولد من إدراك الإنسان لشيء يعتقد أنه الكمال مثل العلم أو المال..الخ وقد تكون اللذة جسمانية تتعلق بمحسوس معين واللذة في الحالة الأولى يمكن تسميتها بالسرور أو الفرح أو السعادة لأنها تغمر جميع جوانب النفس ولا تختص بحاسة معينة أما اللذة الجسمانية فهي ترتبط بالحواس وفي هذه الحالة فإن الإنسان بطبيعته يسعى إلى بلوغ ذروة اللذة ولذالك فهو يحتاج دائما إلى ضوابط للمتعة

ضوابط المتعة

ذكرنا أن طبيعة الإنسان تدفعه إلى الحصول على الحد الأقصى من اللذة مهما كانت العواقب ولا يباعد بينه وبين الإسراف في المتعة سوى عوامل نسميها بالضوابط ونذكر منها:

1 القانون

وهو مجموعة القواعد العامة المفروضة على الإنسان بتشريع صريح تضجعه السلطات الاجتماعية رعاية للمصلحة العامة وحفاظا على حقوق الآخرين أو هي قواعد واجبة التنفيذ دون أن يفرضها قانون وضعي أو تشريع صريح وهي ما تسمى بالعرف أو العادة أو التقليد

والقانون يضع ضوابط للحد من إغراق الناس في بعض المتع واللذات الجسمية ولكنه لا يضبط شهوات البشر ورغباتهم ولذاتهم ما لم تتعرض لإيذاء الآخرين أو تكون مكشوفة الوجه وعلى مرأى من العيون

فمثلا

الذي يتلذذ بجمع المال مع التقتير الشديد لا يلومه القانون ولا يضبط هذه اللذة  الهادمة لحياته ومن يجد لذة في رؤية مصائب الناس لا يعاقبه القانون ولا يتعرض لرغباته الحاقدة ولا يضبط هذه المتعة

الخلق

وخلق الإنسان هي طبيعته أو سجيته التي تصدر عنها الأفعال دون فكر أو روية فمن له خلق كريم يملك نفسه ويكون سلوكه تابتا متماسكا لكن الخلق ليست ضابطا للمتعة دائما فطبيعة الإنسان بصفة عامة تجنح نحو تحقيق اللذة

الحكمة

وهي العلم والتفقه والفهم وسداد الرأي ووضع الشيء في وموضعه إنها معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به فالحكيم يعرف أين يذهب وأين يقف إنه يزن الأمور لذالك فقد تساعد الحكمة الإنسان ليضبط نفسه فلا تسيطر عليه اللذة وتخرج به عن حدوده لكن الحكمة تعتمد على سجية الإنسان وخلقه وطبعه ومقدراته التي تتفاوت من إنسان لآخر

الخوف

يعتبر الخوف من العقاب أحد الضوابط التي تحد من إندفاع الإنسان وراء شهواته ولذاته غير المشروعة فهناك مثلا من يتجنب العلاقات الجنسية المشبوهة حتى لا تعتل صحته أو يصاب بمرض سري أو يفتضح أمره لذالك فهذا الضابط الذي دافعه الخوف ليس سموا بالنفس لكنه كقول فرويد تأجيل اللذة حتى تحين الظروف الأفضل لها دون الإقلاع عن هدفها النهائي

خشية الله

العبارة الشهيرة التي قالها سليمان الحكيم منذ الآلف السنين تستحق وقفة للتأمل قال سليمان الحكيم رأس الحكمة مخافة الرب أي أن بداية طريق المعرفة والفهم هي خشية الله فالباعث الديني الناتج عن هيبة الله وتعظيمه والشعور بقديسته يضبط شهوة الإنسان الجامحة خشية غضب الله

والذين يخافون الله كثيرا ما يتسلحون بهذه الخشية أمام نزواتهم ورغبات نفوسهم ودوافع شهواتهم فما تكاد أقدامهم أو أيديهم أو ألسنتهم تدنو من الشر المرغوب حتى تنهض خشية الله في ضمائرهم لتوقظهم من غفلتهم فيرجعون عن مقاصدهم مستغفرين الله

قوة روح الله التي تغير القلب

أما الضابط الحقيقي للرغبات المحمومة والشهوات الجامحة واللذات المحرمة فهو قوة أخرى تعمل في قلب الإنسان فإذا كانت خشية الله هي أول الطريق فالطريق نفسه هو الامتلاء بقوة من روح الله قوة قادرة ونعمة مشبعة للقلب مغيرة للإرادة فلا يعود الإنسان ذليلا أمام شهواته يتراجع عنها خوفا من القانون أو التقاليد الثابتة أو العقاب الصارم

إن قوة روح الله تملأ القلب بالقداسة التي تسمو فوق دنايا الشهوات المغتصبة وتعطى المقهورين قوة لا تعتمد على حكمتهم وكبح جماحهم بل تملأ حياتهم بالشبع الفائض فتدوس أرجلهم النفايات التي كانوا يحسبونها كنوز الأرض وبدون روح القداسة المغيرة للقلب الإنساني ولطبيعته الشهوانية لا خلاص للإنسان من الرغبات السرية الجامحة التي تؤرق نفسه

صرخة إنسانية

يا ربنا

مغلوب أنا

مقهور

تسكن في قلبي الشهوة

تصعد نحو الرأس

تلهب جسدي

أندفع بحمق نحو الهوة

في الأعماق أغوص

كل مياه اللذة لا تطفئ نار الشهوة

خجلان أسعى بين الناس

خجلان

من عيني تطل الشهوة والحرمان

أحيانا أبس ثوب رجال الدين

أتستر خلف جدار المثل العليا

أخفض عيني في استحياء كالرهبان

ما عاد يفيد الكتمان

كيف ألمم أطراف الصيت الفاضح؟

تتسع الفجوة

كل بحار اللذة لم تطف نار الشهوة

يا ربنا

مغلوب

أنا

قهرتني شهوتي النهمة

الحكمة والقانون والمثل العليا والأخلاق

لم تنفع في قمع الشهوة

ولديك القوة

أحتاج إلى عمل الروح الأقدس

أحتاج إلى فعل النعمة

أحتاج إلى قلب تسكب فيه رضاك

لا تصبح بيني وبينك جفوة

أحتاج إلى روحك تطفئ نار الشهوة

يا رب

 

مخافة الله ينبوع حياة

مخافة الله ينبوع حياة

× كيف لي ان اساعدك ؟