الوحدة ليست دائما شرا
الوحدة ليست دائما شرا

الوحدة ليست دائما شرا

17 مبادئ إنسانية :

إن الله يخلينا من صخب العالم لنتوب بين يديه

الوحدة ليست دائما شرا

لعل أعظم ما تتميز به فترات الخلوة التي ينقطع فيها الإنسان عن الناس من حوله أنها تتيح له صنع القرارات الهامة في حياته وأعظمها أن يعرف طريقة الله

اعتاد اللاعبان الكبيران أن يكونا محاطين بآلاف المعجبين كل العيون تتجه إليهما وهما يقدمان الألعاب الاستعراضية أمام آلاف المشاهدين

التصفيق الحاد والمتصل كان هو النغم المحبب إلى نفسيتهما وصراخ الجماهير الصاخبة في الملاعب كان بالنسبة لكل منهما شدوا رومانسيا حالما

كانا يكرهان النوم ولا يستحبان الراحة التي تحرمهما رؤية المعجبين وتغلق آذانهم عن سماع هتافات المشجعين ولولا قسوة المدرب وصرامته لفضلا البقاء بين جماهيرهما طوال ساعات الليل والنهار

لكن حدثا قاسيا أنهى هذا الحلم الكبير فقد أصيب اللاعبان الكبيران إصابة خطيرة ألزمتها الفراش وفرضت عليهما الاعتزال

واسودت الدنيا في عينيهما تغير كل شيء كانت الملاعب هي سماء حريتهما فأصبحا حبيسي عاهتيهما كانت الجماهير المحيطة بهما هي بر الأمان فأصبحا تائهين في بحور القلق والضياع

ومرت الأيام قاسية صعبة فكل منهما لا يستطيع أن يغير الواقع ولا يقدر أن يقبله أو يرضاه فتقلبت نفسيهما في دوامات من المشاعر العاصفة وقبعت ذاتيهما تحت طبقات كثيفة من الساحبات القاتمة فقد رأيا جحود الأصدقاء وانصراف المعجبين وانسحاب الشهرة وتراجع الأضواء وخمود الهتافات وتدهور الدخل المادي وفوق ذالك كله تلك الوحدة القاسية التي جعلت كل منهما حبيس زنزانة انفرادية ضيقة لا يتسرب إليها نور الأمل

واقتراب كل منهما إلى الآخر يتحدثان عن الماضي ويتذكران أمجادهما الضائعة ويتنهدان في حسرة وندم

ثم سئمت نفسيهما هذه الكأس المرة التي أجاد كل منهما تقديمها للأخر فانصرف كل واحد إلى سبيله

وفي هذه الوحدة الموحشة وجد كل منهما رفيقا فقد استأنس أحدهما بزجاجة الخمر فصارت له رفيق سور أسوأ من الوحدة وأتخذ الآخر من القلم رفيقا مخلصا فأستحضر إلى ذاكرته شخصوا وأبطالا استطاع أن يجسدهم بقلمه ليصروا رفقاء خلوته

وتحول أحد الرجلين إلى حطام وتحول الآخر إلى كاتب شهير

ليست دائما سيئة

فالوحدة ليست دائما سيئة إنها كما قال خير من جليس السوء بل تصبح أحيانا ضرورة تستوجب الامتناع عن أي جليس ليخلو فيها الإنسان بنفسه يراجع حساباته ويقوم إنجازاته ويفحص دخائل نفسه التي قد لا يتسع الوقت أو الزحام لمناقشتها

الوحدة فرصة للتفكير الهادئ:

عندما يكون الإنسان محاطا بأصدقاء كثيرين فإنه من الصعب أن يفكر تفكيرا عميقا هادئا لا يتخلله التشويش

وقد كان من عادة بعض المفكرين الهروب من أقرب الناس إليهم إلى مكان هادئ منعزل يلتمسون فيه الإلهام ويسترقون فيه السمع لنبضات أفكارهم الكامنة

الوحدة فرصة للابتكار:

يدين كثيرون من العلماء والمخترعون بأعظم اكتشافاتهم إلى أوقات الخلوة التي احتجبوا فيها عن الناس فأطلقوا عنان أفكارهم ووجدوا مفتاح السر الذي كانوا يبحثون عنه

وكم من الفنانين والشعراء ألهموا أعظم أعمالهم حين كانوا في خلوة هادئة خارج حدود الزحام والضجيج

الوحدة فرصة لإنجاز:

كثيرا ما يكون الزحام عائقا دون إنجاز ما نريد فقد تكون لدينا فكرة كاملة لعمل عظيم نستطيع إنجازه لكن الوقت لا يتسع له بسبب حياتنا المنفتحة على المحيطين بنا

فبابنا المفتوح للعلاقات المنبسطة لا يسمح بعمل آخر يحتاج إلى الوقت والتركيز والتفرغ

والوحدة فرصة لفحص النفس:

قلما يتيسر لنا ونحن مشغولين بمن حولنا أن نراجع أوراق رحلتنا ولنرى ما أنجزناه ونقوم هذه الإنجازات

وقد لا تتيح لنا هتافات الآخرين لنا أو ترحيبهم بنا أو حتى هجومهم علينا أن ندرس موقفنا دراسة دقيقة أمينة فنحن غالبا ما ننشغل بالاستمتاع بمديح الناس إذ مدحونا أو بالدفاع عن أنفسنا إذا هاجمونا وفي الحالتين فإن فحص النفس لا يكون أمينا أو دقيقا

إن الكثيرين من الأطباء تدب في أجسادهم أمراض لا يتنبهون إليها لانشغالهم بفحص الآخرين والوحدة فرصة رائعة لفحص النفس

الوحدة فرصة للخلوة مع الله:

إن الناس ينصرفون عنا لعيب فينا ونحن قد نبتعد عن الناس لعيب فيهم أو فينا فنتألم لهذه الوحدة التي لم نعهدها

وقد ننتقل إلى موقع لا صديق لنا فيه فنحس بحرمان وشوق أو قد نفقد عزيزا علينا كان يملأ حياتنا فنتجرع لونا آخر من الوحدة

لكن أعظم تعزية لنا أن هذه الوحدة التي نشكو منها لا يمكن أ، تخرجنا عن حضرة الله الذي يملأ الكون فحيثما وجد الإنسان فإن الله مشرف عليه هامس في داخله يحيطه برعايته ويفتقده في خلوته

وحين يتراجع الناس من حولنا تفقدنا عناية الله وحين يصمت ضجيج الألسنة تتضح لنا همسات روحه القدوس

لكننا نهرب إلى الزحام

ولكننا نخاف الخلوة بالنفس لئلا نكتشف أن حياتنا باطلة وعبادتنا مزيفة ومستقبلنا مظلم لذالك فنحن نهرب من أنفسنا ونهرب من صوت ضمائرنا ونهرب من كل صوت يدعونا إلى فحص الذات بل ونهرب من صوت الله الهاتف لنا من كل صوب

إننا نختبئ في زحام البشر زحام النشاطات المادية زحام الصاخبين وقد نختبئ تحت التدين والعبادة أو الأدب والعلم أو الحكمة والفن

وقد نختبئ وراء نشاطات جماعية أو شعارات رنانة أو أندية رياضية أو جماعات أدبية أو دينية

لكن يد الله تأتي في لحظة نادرة لتفرق الناس من حولنا وتعزلنا لنفحص ذواتنا في خلوة من العالم ولنكشف الطريق الصحيح إليه طريق الحياة الأبدية

الوحدة وأعظم القرارات

إن الله يدعونا إلى خلوة نفحص بيها الأفكار.. الأفكار التي وضعها الآخرون في عقولنا وأيدها الشيطان داخلنا فأصبحنا نعبد الله بما أملأه علينا الناس بينما قلوبنا المريضة كهف للخطيئة والميول الشريرة

إن الله يعدونا إلى خلوة لفحص ضمائرنا لنتبين أننا نعبد الناس ونخافهم ونتستر بتأييدهم لنا وهم مثلنا يسكنهم الشر والخداع

إن الله في محبته الفائقة لنا نحن البشر ييسر لنا أحيانا فرص الخلوة وحمة إلهية

حتى يبعدنا عن كل المؤثرات التي تخدعنا وليعطنا فرصة لفحص النفس في تواضع وإنكسار أمامه بعيدا عن المديح الزائف أو التدين الظاهري الذي نخدع به عيون البشر

إن الله يخلينا من صخب العالم المحيط لنتوب بين يديه عن كل ما قيدتنا به أفكار البشر من عبادات شكلية وروحانية وقتية ليس لها أثر فعال في سلوكنا وحياتنا

لعل أعظم ما تتميز به فتراب الخلوة التي ينقطع فيها الإنسان عن الناس من حوله أنها تتيح له صنع القرارات الهامة في حياته وأعظمها أن يعرف طريقه إلى الله

فالإنسان في زحام الحياة تخدعه الحياة فلا يستطيع أن يعطى قرارا خالصا لكنه حين يخلو لنفسه ويصمم أذنيه عن الضجيج ويغلق حواسه عن المؤثرات الصاخبة ويسكب أمام الله تضرعات قلبه حينئذ تنكشف له أبعاد النفس الخادعة فيرى الأركان العفنة التي كانت مستترة بظلال النجاح والشهرة والحياة المنبسطة

صرخة إنسانية

يا رب

أحمدك لأنك انتشلتني

من زحام الناس

كنت محمولا بأمواج الصخب

أصوات البشر

ضجيج الصارخين

لم أكن أعرف أن الأمواج الهائجة

لابد أن تنكسر

على صخور الشطئان الراسخة

وقد اصطدمت عبادتي الهشة

بصخرة الحق القوى

الذي هو أنت

فاكتشفت أنني خدعت

حين أسلمت نفسي لتيار الريح

أحمدك لأنك أتيت بي

إلى خلوة خاشعة

عند عتباتك المقدسة

فأكتشف لي طريق الحياة

التي لا تموت

الإيمان المبني على الصخر

الذي هو حقك وحدك

بعيدا عن زحام الهاتفين الصارخين

وغير عقلي وقلبي

كما غيرت غيري من الخاضعين

لإرشاد روحك

يا رب

 

الوحدة ليست دائما شرا

الوحدة ليست دائما شرا

× كيف لي ان اساعدك ؟