الله قيدي.. الله حريتي
الله قيدي.. الله حريتي

الله قيدي.. الله حريتي

7 مبادئ إنسانية

الله قيدي.. الله حريتي

لماذا لم يضعنا الله في قفص؟

ضاق الفتى بعيشه في بيت أبيه فقرر الرحيل إلى دائرة أوسع من بيت العائلة الضيق ولم يكن بيت العائلة ضيقا كما رآه اليوم فقد كان هذا البيت نفسه في يوم من الأيام هو الدنيا الواسعة بأرضها وسمائها لكنه أخذ يضيق ويضيق حتى أصبح كحلقة معدنية قاسية تضغط ضغطا رتيبا على عنق هذا الصبي الذي بلغ طور الشباب

وقرر الشاب أن يفلت عنقه من تحت النير وأن يلقى بذالك الحمل الذي أحسه ثقيلا كالجبال فخرج تاركا وراءه رسالة وداع لوالديه ليبدأ مرحلة جديدة

وأرجو أن لا تتسرع يا صديقي القارئ فتظن به الظنون أو تتهمه بالتهور أو العقوق ولكنك إن فعلت بعض العذر فقد ترك وراءه أبا حزينا وأما محطما وأخوة حائرين وخرج إلى عراء موحش بعد حصانة واقية وإلى شقاء موجع بعد حضانة حانية

وأرجو أن لا تتسرع أيضا بإلقاء اللوم على البيت فلم يكن هناك تعذيب أو ضغط ولم يكن هناك تقتير أو قحط ولم يكن الأب بالسيد القاسي ولم يكن الابن بالجاحد الناسي أو المارد العاصي

وخلاصة الأمر أن الشاب ولد لأبوين كريمين أراد أن يجنباه ما تعرضا هما له من متاعب الحياة فوفرا له نشأة طبية وحرصا على أن يسقياه من ينابيع خبراتهما الصافية وأن يزوداه بحصيلة معارفهما المنتقاة وأن يسيرا به في الطريق الضيق المأمون الذي انتزعا أشواكه من قبل بأيديهما ومهداه بأقدامهما فلم يسمح له بالذهاب إلى موقع لم يتجسساه ولم يترك في طريق لم يتحسساه ولم تمسك يده كتابا لم يتفحصاه ولم تقع عينه على مشهد دون أن يرقباه فلا فضل له في اتقاء شر ولا شكر له على انتقاء خير إذ لم تهضم معدته طعاما عسرا ولم تفك أصابعه خيطا معقودا ولم يواجه طريقا مسدودا أو يعالج بابا مغلقا

وأحس الابن أنه أصبح مختلفا عن أقرانه في كل شيء فهو يبدو بينهم كمن يلبس حذاء أبيه وقناع أمه أصبحت آراؤه التي  تتسم بالحكمة والحيطة والحذر موضع سخرية الزملاء وتفكيره المتزن الذي يرعى العرف والسائد والمألوف لا يلقى اهتمام الشباب وخط الوسط المأمون الذي يلتزم به جعله شخصية باهتة ليس لها وزن ولا تأثير في اتخاذ القرارات أو توجيه الأحداث

وأدرك صديقنا المدلل أنه قد صار عصفورا في قفص من ذهب فأصبح حلمه المنشود أن يترك فراشه الناعم ليتمرغ فوق الشوك وأن يترك طعامه الفاخر ليمضغ الحنطل ويجرش الحصى فقد بدا له المر الذي يختاره بإرادته أشهى من العسل الذي يوضع له في فمه فامتلأ قلبه الشاب بالألم ثم الغضب ثم الرفض ثم التمرد والعصيان

لذالك لم يضعنا الله في قفص

وهذا النموذج المتكرر في حياة البشر يرينا حكمة الله سبحانه في إطلاق حرية الإنسان في اختيار طريقه دون جبر أو إرغام وقد كان الله قادرا أن يسيح حولنا بسور لا تتخطاه أبصارنا ولا تتعداه أقدامنا ولا تعلو إلى منتهاه أفكارنا لكنه أراد في حبه وحنانه أن يسلحنا بعقل وفهم وإدراك من فائض علمه الشامل وأن يضيء طريقنا بقبس من نورة الوضاح وأن يرشدنا ويوجهنا بهاتف من روحه القدوس ثم بعد ذالك كله يفتح أمامنا الأبواب ويسلم لنا المفاتيح والخرائط والبيانات التي تؤهلنا لإقحام الحياة بأقدام وعقول ثابتة وعقول مستنيرة

ولنا أن نعجب وندهش حين نرى أقدامنا تقودنا بعد ذالك إلى خارج الروضة الإلهية ونرى أقدامنا تزحف فوق أشواك الشر ونرى نفوسنا تتلطخ بأوحال الدنايا فقد صارت إرادتنا الحرة مستبعدة لرغباتنا الجامحة وأصبحت حرياتنا المطلقة هي بذاتها سجوننا المغلقة

فأجسادنا تلهو ونفوسنا تتعذب

لكنه وضع لنا حدودا

ليس هناك حرية من الحريات لا تحدها حدود ولا توجد حديقة في الحياة ليس بها شجرة محرمة وقد يصعب علينا أن نتفهم أو نستمتع بحرياتنا الطبيعية دون أن نتمثل قصة الثمرة المحرمة ونفهم فلسفة وجودها في حياتنا فهذه الثمرة تبدو وكأنها النقطة السوداء في صفحة حرياتنا المنطلقة نراها لونا من الحرمان الذي يحجب الاستمتاع الكامل بالحرية الشاملة نخالها رأس السر الجبار الذي يصدر انطلاقا وقضبان السجن الذي يصادر حريتنا

ونحن حين ننظر إليها هذه النظرة الشاكية المتذمرة قد يطول انتظارنا قبل أن نختبر معنى الحرية الحقيقية ونكون كالطفل الذي جلس على شاطئ البحر ينتظر حتى يجف ماؤه ليلتقط قطعة الحلوى التي سقطت من يده وكان بوسعه أن يستمتع بالقطع الكثيرة التي تملأ يديه

إن إصرارنا على كسر الحدود وتذوق الثمرة المحرمة يحرمنا الاستمتاع بكل ثمر الجنة فنكون كالمغامر الذي ينفق كل ما معه من نقود على مائدة القمار لعله يسترد العملة الصغيرة التي فقدها أول الليل فينقد الاثنين معا

فحين أخطأ أبوانا فتناولا الثمرة المحرمة فقد أمنهما وحريتهما فلم يعودا حرين في أن يبيتا أينما شاءا بل أصبح عليهما أن يختبئا داخل مكان مغلق محدود وأن يحذرا أنياب الوحوش والأفاعي

إن الثمرة المحرمة هي قفل الخزانة الذي وضعه الله ليصون ما بداخلها فقد منحنا الله الحرية وحفظها لنا في حدود مؤمنة وجعل مفاتحها في أيدينا وتناول الثمرة المحرمة بمثابة إلقاء مفتاح الخزانة في الطريق العام فتستباح حريتنا وتضيع كما ضاعت حرية أبوينا

فغرض الله في إعطائنا حرية مقيدة هو أن يحفظ لنا حريتنا ويحمينا من تبديدها

خطوة خارج حدود حريتنا

فالحرية التي خلقنا الله عليها هي حرية الاختيار بين ما يليق وما لا يليق والتمييز بين ما هو حق لنا وما هو واجب علينا فإذا استبحنا حقوق الآخرين وإذا أطلقنا عنان رغباتنا بلا حدود فإننا نعرض أنفسنا لكثير من المهانات والمخازي فنذبح حريتنا على مذبح شهواتنا

فالإنسان الشريف المحترم المطلق الحرية في الحركة ومواجهة الناس يتحول في لحظة من الزمن إلى لص دنئ بمجرد إطلاقه رغبته في تناول شيء ما من ممتلكات غيره ويتبع ذالك إحساس بكثير من القيود التي يقيده بها المجتمع وكثير من القيود التي يقيد بها نفسه إذ عليه أن يتفادى عيون الشرطة وعيون الناس وعليه أن يتقبل في صمت كل ما يتعرض له من مهانة وازدراء ولو أنه عرف حدود حريته لحفظ هذه الحرية من الضياع

ولو أننا تأملنا حياة كثيرين وراء قضبان السجن لوجدنا أن خطأهم الأول هو تخطي حدود حرياتهم المشروعة إلى ساحة حريات الآخرين

إن الخطوة الأولى خارج أسوار حرياتنا الشخصية قد تحرم الإنسان حريته إلى الأبد

فمثلا من حق الإنسان أ،ن يفكر ويتكلم وله دائما حرية الفكر والقول لكنه إذا خطا خطوة خارج حدود الصدق فأطلق لسانه بالكذب أو بسبب الآخرين فإنه يفقد الآذان المنصتة ويصبح كلامه مقيدا محبوسا بإزدراء الناس وإهمالهم

ومن حق الإنسان أن يتاجر وله حرية البيع والشراء والكسب فإذا خطا خطوة نحو الجشع فإن أقل ما يمكن أن يتعرض له هو إحجام الناس عن التعامل معه فينقد حريته في التعيش من مهنته كسائر رفقائه ومنافسيه

إن خطوة واحدة خارج حدود حرياتنا التي وضعها الله لنا لابد أن يتبعها الندم والألم

صرخة إنسانية

يا ربنا

تحكمني خدعة كبيرة هي ظني أنني ملك

لنفسي

لذالك فإنني أستلهم هذه النفس

أستنصحها أفعل ما يروق لها

صرختي التقليدية أنا حر قادتني

إلى الوحل أصبحت حريتي المزموعة

ممطوطة ممدودة كفم الحوت تبتلع الصغير

والكبير الحي والميت الصالح

والفاسد

خرجت إلى الحياة أبحث عن مزيد من

الحرية فعدت إلى قوقعتي بمزيد من القيود

فحررني  يا رب بسكناك في قلبي حتى يشبع القلب بك

فتكون أنت نصيبي وغايتي

وتكون أنت قيدي وحريتي

آمين

 

الله قيدي.. الله حريتي

الله قيدي.. الله حريتي

 

 

× كيف لي ان اساعدك ؟