الذي صنعته يداك
الذي صنعته يداك

الذي صنعته يداك

52 مبادئ إنسانية :

العالم يتغير ولابد أن يتغير

وتظل عين الله عليه تحفظه وتحميه

منذ فترة تعرفت على فنان تشكيلي كان قد حقق نجاحا ملموسا في مجال تصميم الملصقات وإعلانات الطرق واستطاع صديقي هذا بالجهد والعرق أن ينشئ ورشة لتنفيذ إعلانات الدعاية منافسا بذالك شركة أخرى كانت قد احتكرت هذا العمل

والسوق مثل البحر بل حيتان وأسماك وحيتان السوق الكبيرة تأكل أسماكه الصغيرة ولها في ذالك أساليب وحيل ومؤامرات وأنياب شرسة لذالك فقد تمهلت الشركة الكبيرة على المنافس الصغير وتركته يتذوق طعم النجاح وتركته يصعد السلم حتى يصل إلى مشارف القمة وقبل أن يحصد الثمار سحبت السلم من تحت قدميه ليسقط محطما إنها مهمة سهلة تجيد الحيتان تنفيذها

المهم أن صديقي في هذا لم يتحطم ماديا فحسب بل تحطمت نفسه أيضا ودخلت روحه في معاصر الألم ولم يجد مهربا إلا في دوامات الذهول والغياب الذهني وتقلبت به الأيام حتى رأيته يسير في شوارع المدينة شاردا حافي القدمين يحدث نفسه بصوت مرتفع ويحرك يديه في عصبية شديدة غير عابئ بمن حوله من البشر ويومها سمعت الناس يقولون مسكين إتجنن

ومنذ ذالك اليوم وعلى مدى سنوات كثيرة رأيت كثيرين من أمثال صديقي يسيرون حفاة الأقدام ويلبسون أغطية رمزية تستر أجسادهم العارية ويكلمون أنفسهم بأصوات مرتفعة ويحركون أيديهم بعصبية بالغة ولا يهتمون بمن حولهم..الخ وكنت أردد ما سبق أن سمعته عن صديقي فأقول مساكين أتجننوا ورسخ في وجداني أن كل واحد من هؤلاء لا بد أن تكون وراءه مأساة أو أنه تعرض لمؤامرة قضت على عقله والحق أنني لم أنس قط صديقي القديم وكانت أحزاني عليه تتجدد كل يوم حين أرى زملائه من الذين يحدثون الهواء

لكن.. ومنذ فترة قصيرة زاد عدد الذين يسيرون في الشوارع أو يقفون على الأرصفة ويحدثون أنفسهم ويحركون أذراعهم في الهواء وإن كانوا يختلفون عن صديقي كثيرا فهم يرتدون ملابسهم كاملة ويلبسون الأحذية

ولأني رجل بسيط ومحدود الإمكانيات ولا أخلو من السذاجة فقد تملكني الرعب وقلت لنفسي ماذا يحدث للناس هل كل هؤلاء أصحاب شركات خسرت فجأة فطارت عقولهم إذا كان الأمر كذالك فلا حول ولا قوة إلا بالله

غير أن واحدا من أهل العصر ضحك من سذاجتي وقال لي لا تبتئس يا خال فهؤلاء الذي تراهم يكلمون أنفسهم في الشوارع ويحركون أيديهم في الهواء ليسوا مجانين إنهم يحملون جهازا اسمه التلفون المحمول وهم لا يكلمون أنفسهم كما تظن بل يكلمون ِأشخاصا آخرين

سبحان الله

هذه القصة حدثت منذ سنوات قليلة ولم يكن هذا المحمول قد انتشر في مدينتي لذالك فعندما فوجئت به أسأت التفسير وحكمت على الأشياء في ضوء خبرتي القديمة حسبت أنني عاقل وسط المجانين وإذا بي أكتشف أنني مجنون بين العقلاء

هل ستأتي أيام يزيد فيها العقلاء ويملئون الأرض؟

هل ستأتي أيام ويزيد فيها المجانين ويأكلون بعضهم بعضا؟

هل ستلمع عقول الأجيال القادمة ببريق العلم أن ستلحس الطفرات العلمية عقول الكثيرين؟

هل سيرتبط التقدم العلمي والمعرفي بقاعدة أخلاقيات راقية أم ستسقط القواعد الإنسانية تحت أقدام الزحف المادي والمعرفي؟

هل سيحقق العالم في الأيام القادمة اكتشافات أعظم أم إنسانا أفضل؟

هل ستلين أنياب الغيلان أم ستتحول الحملان الهادئة إلى وحوش متصارعة؟

لا نملك إلا أن نقول ربنا يستر

هذا العالم المتغير

العالم الذي نعيش فيه يتغير يوما بعد يوم ويبدو على فترات متقاربة وكأنه عالم جديد تماما وليس هو العالم الذي كنا نعرفه بالأمس فمن منا يصدق مثلا أن السماء التي تمتلئ الآن بالطائرات والأقمار الصناعية والصواريخ ومحطات الفضاء…الخ لم تكن منذ مائة عام تعرف إلا أجنحة الطيور وقس على ذالك جميع الاكتشافات التي غيرت شكل الحياة اليومية وحركت أعمدتها وزلزلت رواسخها إن العالم يغير ملامحه ويخلع جلده ويبدل ثيابه ويصطبغ بجميع ألوان الطيف

ومجالات التغيير كثيرة جدا سواء في شكل الحياة أو مضمونها أو في عناصرها فهناك تغيرات في النظريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهناك الثورات المتلاحقة في المجالات العلمية والاكتشافات المثيرة في عالم الطبيعة والفيزياء والكيمياء والحيويات والهندسة الوراثية والتهجين والاستنساخ..اله وهناك عالم الفضاء بصواريخه ومكوكاته ومحطاته وأقماره وتليسكوباته..الخ وهناك عالم الإلكترونيات وثرات الإتصال والمعلومات والبرمجة وهناك الأبعاد الخفية والمثيرة في عالم النفس وما وراء الطبيعة وهناك اكتشافات الطاقة والقوى المذهلة التي ستغير إيقاع الحياة الإنسانية بجملتها إلى غير ذالك من مجالات التغيير التي تطرق بعنف على أبواب مستقبلنا

زمان كان العالم يمشي ثم أكمل رحلته لقرون طويلة فوق ظهر جمل ولكنه الآن يركب صاروخا مبرمجا

زمان كان العالم يسير مثل السائح يتفرج ويستمتع فأصبح الآن لا ينظر يمينا ولا شمالا بل يندفع كالسيل الجارف

زمان كان العالم يحمل قلب فيلسوف متأمل فأصبح يحمل قلب إعصار تورنيدو جائع لقطع المسافات

زمان كان العالم رومانسيا يلذ له أن يغلق عينه ويحلم فأصبح الآن مفتوح العينين نهارا وليلا

إن التفكير في عالمنا ليس فقط منجزاته التعليمية لكنه تغير في طبيعته وتوجهاته أيضا

عين الله على عالمنا

وحيد القرن حيوان ضخم قوي سريع مندفع لكنه ضعيف البصر وهذا الحيوان القوي الجسم الضعيف البصر قليل الحكمة وكثير ما تدفعه حماقته إلى الهلاك فهو يندفع نحو أي غرض متحرك ليضرب فيه قرنه الرهيب وقد يكون هذا الغرض المتحرك قطارا أو دبابة أو سيارة مصفحة مسكين فهو قوي وأحمق

إن عالمنا الذي يندفع اليوم بسرعات فائقة يحتاج إلى نظر قوي فإذا لم يتوافر له البصر فهو يحتاج إلى الحكمة

وعالمنا يتقدم في مساراته الحضارية في كل اتجاه وهذا خير لكن عالما ينفق مليارات الدولارات سنويا على صناعة الحرب والموت وينفق مثلها على تجارة المخدرات ويعيش ربع سكانه تحت حد الفقر وهذا العالم يحتاج إلى بصيرة ويحتاج إلى حكمة

فمن يمنح العالم البصيرة والنور؟

ومن يمنح العالم الحكمة؟

ومن يحفظ عالمنا العظيم من الغرور والدمار؟

إنه الله

الله هو خالق هذا العالم

الله هو صانع هذا الكون

إنه رب المكان والزمان والوجود

ومع أن العالم يستمد كيانه ووجوده وثباته من كلمة الله فهو كثيرا ما يتصرف كالابن الذي لا يضع الله في اعتباره ويتمادى في شروره واندفاعه المادي ومع ذالك تظل عين الله عليه لتحفظه وتحميه

صرخة إنسانية

يا رب

نشكرك من أجل عالمنا الجميل

الذي صنعته يداك

فلقد خلقته جميلا منيرا يانعا

مليئا بالخير

كل ما فيه من جمال صنعته يدك

كل ما أصابه من دمار صنعته

أيدينا

كل ما فيه من خير غرسته

يمينك

كل ما فيه من شوك غرسته

أصابعنا

نشكرك من أجل عالمنا المتجدد

نشكرك من أجل عالم الغد

نشكرك من أجل العلم والدواء

نشكرك من أجل الطب والشفاء

نشكرك من أجل القمح والشعير

والخبز

نشكرك من أجل المسكن

والكساء

ندعوك أن تحفظ عالمنا من الدمار

أحفظ عالمنا من الإغراق في ماديته

أحفظ لنا عينا تراك في الزحام

أحفظ لنا وعيا يدرك وجودك 

أحفظ لنا قلبا يناديك

أحفظ لنا روحا تتصل بك

أحفظ لنا لسانا يترنم بحمدك

أحفظ لنا أبعاد حبك

اكشف لنا أبعاد مجدك وسلطانك

اكشف لنا ما وراء  عالمنا المحدود

اسكب علينا من روح قدسك

إعلانا واضحا

هداية ونورا

يا رب

الذي صنعته يداك

× كيف لي ان اساعدك ؟