أب أو جلاّد؟!

بسبب الرعاية الفائقة والخدمات الكثيرة التي تؤمنها بعض البلدان الأوروبية لمواطنيها، ينحو الكثير من مواطني تلك الدول نحو الإلحاد. فبالنسبة لهم هم لا يحتاجون الى الله لأن دولتهم هي إلههم. أما معاملة بعض الدول العربية لمواطنيها فتجعلنا نسلّم أمرنا الى الله ونتعلّق به أكثر لأنه أملنا الوحيد!

لكن للبعض منا صورة عن الله مغايرة للحقيقة، اذ يرونه كائنا غاضبا ومنتقما يتحيّن الفرص ليقاصصنا، فيسهل علينا أن يعاملنا حكامنا ورؤساؤنا وأي مصدر سلطة علينا بهذه الطريقة. 

لنعيد تصحيح الصورة برمتها.

من الله بالنسبة لنا؟

هل من المعقول ان الله خلقنا لأنه كان بحاجة لعبيد يتذللون له؟ هل خلقنا لأنه كان يحتاج الى كائنات يشعر تجاهها بالقرف؟ هل الله مصاب بعقدة التسلّط؟ حاشا! الله خلقنا في المحبة، وفي المحبة يريد أن يملك على قلوبنا. الله لا يهمه ان نحبه غصبًا عنا  أو خوفًا منه، ولا يحتاج الى عديد من الجموع تعبده لأنها تخاف من بطشه، فلديه الملائكة يسبحونه ليل نهار. لقد تعلمنا ان نبقي الله بعيدًا عنا حرصًا منا على مكانته. وكأننا نستطيع بإبعادنا له عنا أن نزيد على مجده وجلاله! ومن يستطيع منا أن يزيد على جلال الله؟ أو من منا يستطيع أن ينقص من مجده تعالى مهما فعل؟!!!

أعلم عِلمَ اليقين أن في قلب كل واحد منا رغبة دفينة في أن يكون الله تلك الروح الحنونة المحبة التي تعاملنا كما نعامل أولادنا بل أفضل بكثير! كما انني متأكدة ان قلوبنا ترفض أن يكون الله جلاّدًا يتحيّن الفرص لينقض علينا.

تشهد أيامنا هذه على تفكّك العائلات في الغرب حيث تتعرّض صورة الأب لاهتزاز شديد. أحمد الله أن في مجتمعاتنا العربية ما زالت صورة الأب سليمة, وبتأملنا لمفهوم الأب في العالم العربي نستطيع أن نفهم أكثر موقف الله منا ومحبته لنا. فالأولاد هنا، حتى لو تزوجوا وانطلقوا ليؤسسوا عائلاتهم، يستطيعون في أي وقت أن يقصدوا البيت الأبوي حيث يجدون على الدوام أذرعًا تضمهم بحنان، وولائم طيّبة تغذيهم. ما زال الأولاد في شرقنا هذا يجدون في كنف الوالدين الدعم المادي والمعنوي والملجأ الآمن من هموم ومتاعب هذه الحياة. ونحن عندما نلتجإ الى الله بالصلاة نجد هذا كله وأكثر. حبذا لو نجد في الله الأب الحنون وفي بيوت الله البيت الأبوي حيث الأمان والراحة.

ربَّ سائل: ما هو الدليل على ان الله أب؟ من لا يجد في عطاياه وحمايته وبركاته دليلاً كافيًا، هنذا أقدم له دليلاً أعمق: الله يؤدّبنا عندما تدعو الحاجة كما يؤدّب الأب بنيه! فالأب الصالح لا يقدّم العطايا لأولاده فحسب، بل يقوّم اعوجاجهم باستمرار نحو الطريق المستقيم. ولكن تأديبه هو لمصلحتنا وليس انتقامًا منا. ولكي أوضح كيف يؤدّبنا الله سأروي هذه القصة:

بلغ شاب سن المراهقة فابتدأ يتمرّد ويعصى أمر والديه. ورغم إرشادات الأب ومحاولته هداية ابنه لم يتّعظ الولد. وفيما هو داخل الى المنزل ذات يوم بعد عودته من عشرة السوء واجهه أبوه قائلاً “إن كنت ستستمر في إفساد سمعة عائلتي الحسنة فلن تنام في غرفتك بعد الآن. قصاصك أن تنام في الاسطبل. لعلك هناك بين التبن والبهائم تفكّر في خياراتك في الحياة”. وبينما نزل الشاب لينام في الاسطبل، صعد الأب الى غرفته وبدّل ملابسه ونزل الى الاسطبل ونام بالقرب من ابنه!

لم يختر الأب أن ينزع القصاص عن ابنه لأنه عليه ان يؤدّبه من أجل مصلحته. ولكن قلبه المحب أبى إلا أن يتحمّل معه القصاص فيكون واحدًا معه في كل شي. تأديب الله لنا ليس تأديب الجلاّد، إنه تأديب الأب المحب.  

فالهنا هو الاب الحنان القريب من ابنائه وعظيم هو جوده وعطاؤه واعظم هي خططه الصالحة لأبنائه… جلِ ما يبتغيه هو ان نقترب منه ونرغب في ارضائه لا خوفا من عقاب ولا طمعا في ثواب بل حبا وتعلقا به. 

× كيف لي ان اساعدك ؟